أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
51
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المعنى مع أدوات الشرط ، وليس بشيء . وأما « فَإِنِ اسْتَطَعْتَ » فهو مستقبل معنى ، لأنه لم يقع ، بخلاف كونه : « كبر عليه إعراضهم » ، و « قدّ القميص » . و « أَنْ تَبْتَغِيَ » مفعول الاستطاعة ، و « نَفَقاً » مفعول الابتغاء . والنّفق : السرب النافذ في الأرض ، وأصله في جحرة اليربوع ، ومنه : النافقاء ، والقاصعاء ، وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ، ويجعل له بابين ، وقيل : ثلاثة : النافقاء ، والقاصعاء ، والدّامّاء ، ثم يدق بالحفر ما يقارب وجه الأرض ، فإذا نابه أمر دفع تلك القشرة الرقيقة وخرج ، وقد تقدم لك استيفاء هذه المادة عند ذكر « يُنْفِقُونَ » « 1 » و « الْمُنافِقِينَ » * . وقوله : فِي الْأَرْضِ ظاهره أنه متعلق بالفعل قبله ، ويجوز أن يكون صفة ل « نَفَقاً » ، فيتعلق بمحذوف ، وهي صفة لمجرد التوكيد ، إذ النفق لا يكون إلا في الأرض . وجوّز أبو البقاء مع هذين الوجهين أن يكون حالا من فاعل « تَبْتَغِيَ » أي : وأنت في الأرض . قال : وكذلك : فِي السَّماءِ . يعني من جواز الأوجه الثلاثة ، وهذا الوجه الثالث ينبغي ألا يجوز لخلوه عن الفائدة . و « السلم » قيل : المصعد ، وقيل : الدرج ، وقيل : السبب ، تقول العرب : اتخذني سلّما لحاجتك ، أي : سببا ، قال كعب بن زهير : 1917 - ولا لكما منجى من الأرض فابغيا * بها نفقا أو في السّموات سلّما « 2 » وهو مشتق من السلامة ، قالوا : « لأنه يسلم به إلى المصعد » . و « السّلّم » مذكر ، وحكى الفراء تأنيثه . قال بعضهم : ليس ذلك بالوضع ، بل لأنه بمعنى المرقاة ، كما أنث بعضهم « الصوت » في قوله : 1918 - . . . * سائل بني أسد : ما هذه الصّوت ؟ « 3 » لما كان في معنى الصرخة . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 36 إلى 38 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) قوله : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ . فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنها جملة من مبتدأ وخبر ، سيقت للإخبار بقدرته ، وأن من قدر على بعث الموتى ، يقدر على إحياء قلوب الكفرة بالإيمان ، فلا تتأسف على من فكر . والثاني : أن « الْمَوْتى » منصوب بفعل مضمر ، يفسّره الظاهر بعده ، ورجح هذا الوجه على الرفع بالابتداء ، لعطف جملة الاشتغال على جملة فعلية قبلها ، فهو نظير : وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً « 4 » ، بعد قوله : « يُدْخِلُ » .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 3 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر 4 / 114 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الإنسان ، آية ( 31 ) .